الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

11

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

آخرين حيث قال إن ظنية المدارك لا يستلزم ظنية الإدراك والمدرك المظنون إنما هو حكم الله الظاهري ولا ريب أن إدراكه علمي فحاصل التعريف أن الفقه هو العلم بالمظنونات عن أدلتها وإن أبيت عن ذلك مع وضوحه فهذا التوهم إنما يرد إذا جعلنا كلمة المجاوزة في التعريف متعلقا بالعلم وأما إن جعلناها متعلقة بالأحكام وقلنا بكونه ظرفا مستقرا صفة للأحكام ويجعل الاحتراز عن علم الله والملائكة بقيد الحيثية المعتبرة في الحدود فلا محذور فكلامنا المتقدم في تعلقها بالعلم إنما كان جريا على مذاق القوم انتهى ولا يذهب عليك ضعف الجوابين المذكورين أما الأول ففيه أولا أنه لا ربط له في الإيراد المذكور ولا دخل له في دفعه إذ المذكور فيه كون العلم بها غير حاصل عن الأدلة التفصيلية وإنما يحصل عن الدليل الإجمالي كالمقلد وهذا الجواب غير مرتبط به نعم لو أورد عليه بالتنافي بين تعليق العلم والظن به صح الجواب عنه بما ذكر وثانيا أنه إن أراد بقوله إن ظنية المدرك لا يستلزم ظنية الإدراك أنه لا يستلزم ظنية الإدراك المتعلق به فهو بين الفساد لوضوح الملازمة بين الأمرين وإن أراد أنه لا يستلزم ظنية إدراكها بإدراك آخر فهو كذلك إلا أنه ليس هناك إدراكان تعلقا بالأحكام الظاهرية حتى يكون أحدهما مظنونا والآخر مقطوعا وكان ما ذكره مبنيا على أن يراد بالحكم الظاهري هو الواقعي المظنون فيكون المظنونية مأخوذة في الأحكام فالمعنى أن الفقه هو العلم بالأحكام الواقعية والمظنونية عن أدلتها التفصيلية وهو فاسد لإفادتها العلم بأصل النسبة مع فرض مظنونيتها وهو مع اشتماله على التدافع على خلاف المدعى فلا بد من التأويل بإرادة العلم بمظنونيتها وفيه مع ما فيه من التعسف أنه غير حاصل عن الأدلة التفصيلية بل هو حاصل من الضرورة الوجدانية وقد نص في كلامه على جعل كلمة المجاوزة من متعلقات العلم ولو بالواسطة من جهة بعثها على حصول الظن القاضي بالعلم به على سبيل الضرورة فضعفه أظهر من أن يخفى وأيضا من الواضح أن العلم بمظنونية الحكم ليس فقها في الاصطلاح إذ الفقه عبارة عن العلم بأحكامه تعالى وليست من الوجدانيات التابعة لحصول المظنة كما يتلخص من كلماته وهو ظاهر والظاهر أن ما ذكره نشأ من غفلته في تفسير الحكم الظاهري والتحقيق فيه ما قدمناه وإن أراد من العلم بالنسبة المظنونة العلم بوجوب العمل بها والبناء عليها ففيه مع مخالفته لظاهر كلامه حيث إنه جعله جوابا مستقلا من الإيراد المشهور ولم ير نص في ذلك المقام أنه ليس الفقه عبارة عنه إذ العلم بوجوب العمل بمؤدى الاجتهاد من المسائل الأصولية إذ يتلخص منها وليس مندرجا في مسائل الفقه فضلا عن كونه عين الفقه كما هو مقتضى التحديد وأما الثاني ففيه أنه ينتقض الحد بعلم المقلد فإنه إذا عرف فتاوي المجتهد فقد علم بالأحكام الحاصلة عن أدلتها إذ كما يصدق ذلك على علم المجتهد بالأحكام الحاصلة عن أدلتها عنده كذا يصدق على مقلده بتلك الأحكام الحاصلة عنده من غير فرق بل يصدق ذلك على علم الله وعلم الملائكة والمعصومين بالأحكام الحاصلة عند المجتهد لصدق الحد المذكور عليه من غير ريب وتوهم خروجها باعتبار الحيثية المذكورة بين الفساد كما مرت الإشارة إليه ولو سلم إخراجه لعلوم المذكورين فإنما يخرج به علمهم بنفس الأحكام وأما علمهم بالأحكام الحاصلة عند المجتهد فلا إذ اعتبار الحيثية المذكورة جارية فيه قطعا نعم لو جعلت الحيثية المذكورة مرتبطة بالعلم صح ما ذكر لكنه فاسد لعدم ارتباطها بالعلم أصلا إذ الحيثيات المعتبرة في نظائر المقام هي المقررة لعنوان ما يقيده والمبنية لاعتبار الوصف العنواني فيما أخذت فيه ولذا يدعى فهمهما من الإطلاق وهذا إنما يعطي تقييد الأحكام دون العلم ثم إنه صرّح أولا بحمل الأحكام على النسب فلا وجه إذن لجعل الظرف مستقرا صفة له إذ ليست النسبة الحاصلة عن الأدلة نعم يمكن أن يجعل الظرف متعلقا بالمظنونة الملحوظة في الأحكام بالتفسير الذي ذكرناه أو بالمستنبطة ونحوها من الأفعال الخاصة وحينئذ لا يكون الظرف مستقرا بمعناه المعروف مع ما فيه من البعد هذا وقد ظهر بما اخترناه من الجواب عن الأصل صحة عد كل من أحكام المجتهدين وأقوالهم المتعددة في مسألة واحدة من الفقه مع القطع بالخطإ فيما يزيد على الواحد منها وقيام احتمال الخطأ في كل من آحادها نظرا إلى كون كل من تلك الأحكام حكما ظاهريا وقع التكليف في الظاهر فالخطأ الواقع فقه أيضا والعالم به فقيه إذا علم بقدر ما يعتد به من الأحكام حسبما وإن فرض كون الجميع أو معظمها خطاء بملاحظة الواقع هذا بالنسبة إلى فقهاء أهل الحق مع عدم التقصير في تحصيل الاجتهاد وأما فقهاء أهل الخلاف فليسوا فقهاء عندنا على سبيل الحقيقة وهو ظاهر مع تقصيرهم في تحصيل الحق وأما لو فرض بذل وسعهم في ذلك فغاية الأمر القول بكونهم معذورين لا أنهم مكلفون شرعا بما أدى إليه اجتهادهم ليكون ذلك حكما شرعيا في شأنهم على نحو المخطئ من فقهاء أهل الحق كما هو ظاهر من أصول المذهب ويأتي تفصيل القول فيه في محله إن شاء الله ولما كان هذا الكتاب موضوعا في الفقه وكان تعرض المصنف رحمه الله لبيان الأصول من باب المقدمة اقتصر في المقام على بيان حد الفقه وحيث كان الملحوظ بالبحث عندنا هو الكلام في أصول الفقه فبالحري أن نشير إلى حده فنقول قد جرت طريقة القوم على بيان معناه الإضافي والعلمي ومن البين أن المقصود في المقام هو الثاني وأما بيان الأول فإما لإبداء المناسبة بينه وبين المعنى العلمي أو لدعوى انطباقه على المعنى العلمي بانحصار مفهومه الإضافي في الخارج بحسب المصداق في ذلك وهو الذي حاوله جماعة منهم ولذا جعلوا له حدين أحدهما بحسب معناه الإضافي والآخر بحسب معناه العلمي مشيرين بذلك إلى أن بيان معناه الإضافي تحديد بحسب الحقيقة لهذا الفن نظرا إلى الدعوى المذكور كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى ثم إنه قد يدعى كون لفظ الأصول حين إضافته إلى الفقه علما لهذا العلم على كون التقييد وداخلا والقيد خارجا وهو الظاهر من صاحب الوافية وقد يشير إليه ظاهر الإطلاقات إذ لا يبعد كون معنى الفقه مقصودا في استعمالات أصول الفقه وربما يقال بكون معناه التركيبي مأخوذا في معناه الاصطلاحي بأن يكون قد خصص معناه التركيبي ببعض مصاديقه وقد زيد تلك الخصوصية في معناه الإضافي بالوضع الطاري عليه من جهة التخصيص أو التخصيص كما قد يقال ذلك في لفظ ابن عباس وغيره فإن تعيين ابن عباس في عبد الله لا ينافي أن يكون كل من لفظي ابن وعباس وغيره مستعملا في معناه الحقيقي إذا كان التخصيص المذكور حاصلا من جهة غلبة إطلاق ذلك المركب على خصوص ذلك الفرد فيكون قد تعين ذلك اللفظ بملاحظة معناه التركيبي لخصوص ذلك الفرد ويجري ذلك في لفظ الرحمن بعد اختصاصه لله تعالى من جهة الوضع الطاري فإن معناه الوصفي ملحوظ فيه أيضا وليس أسماء لنفس الذات فالقول بمثل ذلك في أصول الفقه غير بعيد أيضا وحينئذ فلا بد من ملاحظة معناه التركيبي في معناه العلمي أيضا وكيف كان فلنجري الكلام في المقام على حسب ما ذكروه فنقول أما حده بحسب معناه الإضافي فيتوقف على بيان أجزائه وقد مر الكلام في بيان الفقه والمراد به هنا هو المعنى الاصطلاحي والأصول جمع أصل وهو في اللغة بمعنى ما يبتني عليه الشيء سواء كان ابتناؤه عليه حسّيا كما في أصل الحائط وأصل الشجرة أو معنويا كابتناء العلم بالمدلول على العلم بالدليل ويطلق في الاصطلاح حسبما نصوا عليه على معان عديدة منها الأربعة المشهورة أعني القاعدة والدليل والراجح والاستصحاب وفي كونه حقيقة بحسب الاصطلاح في كل من الأربعة المذكورة نظر وكيف كان فلا يلائم إرادة شيء منها في المقام سوى الدليل وهو أيضا لا ينطبق على شيء من مسائل الفن إذ أدلة الفقه موضوعة لهذا الفن ومن البين خروج موضوع كل فن من ذلك الفن وقد يقال إنّ المقصود من ذلك هو أدلة الفقه من حيث إنها